هل ستقبل تونس مثلية هولندا؟

نزار بولحية

0
55

ليس الامريكان وحدهم من يحاول القفز فوق التاريخ والقانون. فكثيرون غيرهم يفعلون الأمر نفسه. أما آخر دليل فهو ما قامت به دولة أوروبية صغيرة هي هولندا مع بلد عربي صغير هو تونس في عز الانشغال العالمي بما يجري للمقدسات الاسلامية في فلسطين.
ولعلكم ستقولون فورا وما شأن هولندا بتونس ومع علاقة الموضوع بالمقدسات؟ وكيف يمكن لبلد لا يُعرف أن له علاقات وثيقة بتونس أن يكون له تأثير فعلي عليه؟ ولكنكم لو عرفتم السبب لبطل عجبكم في الحال. فما يعلمه معظمكم عن هولندا هو انها بلد الاجبان والأبقار والورود والبطاطس. ولكنها أيضا بلد الاستهلاك الحر للحشيش، والدولة الأولى للمثلية الجنسية في العالم. ولأن الهولنديين باتوا يستشعرون بفضل تلك الريادة انهم صاروا مؤتمنين على حماية ما يرونها المقدس الوحيد، وهو التحرر الكامل من كل قيود الدين، فقد قرروا أن يناصروا المثلييين في تونس، ليس بالكلام فحسب، بل بالمال أيضا.
والمفارقة هنا هي أن التونسيين الذين تنادوا للدفاع عن المقدسات في فلسطين وعن خرق ترامب للخط الاحمر في القدس، نسوا أن لهم ايضا خطوطا حمرا ومقدسات ولم يهتموا بالمشروع الهولندي، ولا بحثوا عن سر اهتمام الهولنديين المبالغ بمن يصفونهم بالاقليات الجنسية. لقد سمع معظمهم بالامر في وقت متأخر نسبيا، أي بعد أن استوت الطبخة وخرجت إحدى جمعيات المثليين التونسيين، لتعلن عن توصلها لما يمكن أن تعتبره «صفقة القرن» مع السفارة الهولندية. وربما لو لم يغرد هانس ديسفلت، قبل ايام، على حسابه الشخصي على تويتر تعبيرا عن سعادته لإطلاق محطة إذاعية على الانترنت تختص بالدفاع عن قضايا المثليين في تونس، لما علم أحد اصلا بوجود تلك الصفقة التي لا يعرف حتى الان ماذا الذي ستجنيه هولندا من ورائها، ولا ما الذي سيستفيده التونسيون عموما منها؟ كما لا يعرف هل أن الهولنديين سيمولون إذاعة للمثليين من باب الصدقة التي لا ينتظرون من ورائها جزاء أو شكورا؟ أم انهم سيقبضون الثمن اضعافا مضاعفة في وقت لاحق؟
لقد كان السفير الهولندي إلى حدود ايام قليلة مضت شخصا شبه مجهول حتى في اوساط النخبة المخملية التونسية. فهو بعكس سفراء اخرين لا يظهر بكثرة في وسائل الإعلام المحلية، ولم يسبق له أن دوّن على حسابه على فيسبوك أو غرد على تويتر، بأنه يقف مع تونس، أو انه سيستعد للإسهام ببناء مدرسة أو مستشفى أو شق طريق أو مسلك جبلي، بإحدى قراها المغمورة، أو حتى بحفر بئر باقاصي صحرائها. ولاجل ذلك فقد بدا تأكيده في تغريدته الاخيرة على أن «إذاعة شمس راد، التي اطلقتها جمعية شمس المعنية بالدفاع عن الاقليات الجنسية في تونس تحظى بدعم السفارة»، مفاجأ بل مثيرا لسيل من الاستفهامات، ليس فقط لأنها المرة الاولى التي تقدم فيها سفارة هولندية دعما ماليا لإذاعة للمثليين، هي الاولى في بلد عربي مسلم، ولكن لأن السفارة كانت تدرك جيدا أن خطوتها لن تحظى بترحيب واسع أو اجماع داخل تونس، وستثير بلاشك تحفظات، وحتى شكوكا واتهامات لها بالتدخل وإثارة مسألة حساسة مثل المثلية الجنسية، ما تزال محل جدل مجتمعي محلي. وكانت تعرف جيدا ايضا أن مثل ذلك الموضوع بالذات ليس الآن على الاقل على رأس اولويات بلد مازال يشق بصعوبة طريقه نحو الديمقراطية، بعد عقود من القمع والاستبداد.
صحيح ألا أحد باستطاعته أن يلومها أو يحاسبها على اختيارها دعم تونس بتلك الطريقة الفريدة، أو أن يفرض عليها بالمقابل طرقا اخرى لصرف اموالها في المشاريع التي تبدو الاجدى والاولى باهتمامها.
ولكن أليس من الغباء أن نتصور أن الهولنديين سذج إلى الدرجة التي تجعلهم لا يحسبون خطواتهم ولا يتوقعون اثرها المباشر على بلد عربي مسلم، ولا ينتظرون من ورائها عوائد مستقبلية قد تكون أرفع قيمة من كل الاموال التي صرفوها أو تعهدوا بصرفها؟ ثم ألا يفضح تصرفهم بذلك الشكل تناقضات القارة العجوز ويكشف القناع عن تصورها للمآلات النهائية لديمقراطية جارة جنوبية، طالما اغدقت عليها عبارات الشكر والثناء ووصفتها بانها بلد الاستثناء العربي؟
ليست المسألة مثلما قد تبدو في الظاهر، هي في دفع سفارة اوروبية لمبلغ مالي محدود لبعث اذاعة على الإنترنت، قد لا ينتبه لها التونسيون، فضلا عن أن يتأثروا، أمام حالة الفوضى والانفلات الإعلامي التي يشهدونها، بأفكارها أو برامجها.
ولكن الأمر يتعدى ذلك إلى المس بشكل استفزازي بما يراه المتدينون وغير المتدينين جزءا من ثوابتهم ومعتقداتهم، وبما يتصورونه زجا متعمدا لبلدهم في اختبار جديد، بين قدرته على التمسك برؤيته لديمقراطية موزونة لا تتنكر لبيئتها ولا تتصادم مع قيمها ومبادئها، وقبوله وانجراره وراء تصورات غربية لتلك الديمقراطية، قد تقوده بالاخير لنزع كل ما بقي فيها من قيم ومبادئ وحتى معتقدات ومقدسات.
ولا يبدو أن نوايا الهولنديين هنا تحتمل اكثر من تأويل. فمن الواضح أن مشروع الاذاعة لم يكن سوى طعم رموا به لمعرفة ردة الفعل المحلية، وحتى العربية ازاء قبول محتمل بمنح المثليين اوضاعا شبيهة بوضعهم في هولندا. ولم يكن اختيار تونس لذلك اعتباطيا، فهي المختبر الافضل عربيا لتجربة لا يرون للدين أو للاخلاق مكانا فيها. ولكن حرصهم على الظهور بمظهر المدافع عن الاقليات والحريات يصطدم بواقع مرير، وهو خلو سجلهم مما قد يدل على انهم كانوا مناصرين للشعوب المضطهدة، أو أنهم دافعوا يوما عن حق الاختلاف مقابل وجود قرائن تدل على العكس، مثل منعهم لوزيرة الاسرة التركية في مارس الماضي من دخول سفارة بلادها في روتردام، تحت حجج واهية ثم تخيير رئيس وزرائهم المعتدل مارك روتة المسلمين في بلده قبل عام من الان بين الاندماج والرحيل قائلا في حديث لصحيفة محلية «إن دستور هولندا يضمن فرصا عادلة للجميع، وإن بلاده تفصل بين الكنيسة والدولة، وتهتم بحرية التعبير، لكن هناك مخاوف من التغيير الذي قد يطرأ على المجتمع والتنازل عن هذه القيم عندما ينزعج «الغرباء» من كيفية تعامل الهولنديين مع قضاياهم»، وتورط قواتهم في التسعينيات في مجازر سيربرنيتشا، حين تركت المسلمين المحاصرين الذين كانوا في حمايتها فريسة سهلة لوحشية الصرب. فمن يصدق اذن بعد ذلك دفاعهم عما يسمونها اقليات جنسية، ومن يشك في أن الغاية منها هي المس بواحدة من اكبر المقدسات وهي الاسرة؟ وهل يمكننا فعلا أن نتصور أن التونسيين الذين ثاروا ضد الاستبداد مستعدون لان يتخلوا عن مقدساتهم باسم الحرية؟ سيكون من الصعب أن نتخيل أن الشعب الذي وقف ضد قرار ترامب بشأن القدس سيستمر طويلا بالوقوف مكتوف الايدي ضد محاولات هولندا لضرب مقدس اخر في بلده وهو الاسرة.
هذا ما تقوله على الاقل حقائق التاريخ التي يحاول الكثيرون القفز فوقها هذه الايام.

تعليقات الفايسبوك

اترك تعليقا

Please enter your comment!
Please enter your name here