لماذا تثير تونس قلق مصر؟

نزار بولحية

0
36

هي ليست بالتأكيد ليبيا وهي ليست بالقطع ايضا السودان أو إثيوبيا. لكن من باستطاعته الآن أن ينكر أو ينفي أن لا يكون للأحداث التي تحصل فيها أثر يعادل أو يوازي أثر الأحداث التي تحصل في تلك الدول، على مصر إن لم يكن يفوقه ويتخطاه بدرجات؟
ألم تعد تونس الصغيرة منذ سنوات مصدر قلق خفي وغير معلن لجنرالات بلد المئة مليون نسمة؟ لنتأمل فقط مشهدا بسيطا حصل العام الماضي وتكرر هذا العام، في نسخة تكاد تكون طبق الأصل. فبشكل مفاجئ وغير مألوف قطع رئيس النظام المصري في يناير الماضي خطابه في الاحتفال بذكرى عيد الشرطة ليتحدث عن تونس التي كانت تمر حينها بما كان يطلق عليه الإعلام موجة احتجاجات اجتماعية. وفي مشهد سينمائي كان على غاية من الدقة والاحترافية، ونقل على التلفزيون الرسمي، وقف ليردد بنبرة درامية حزينة: «حافظوا على بلدكم فالأوضاع الاقتصادية صعبة في جميع دول العالم»، قبل أن يضيف أنه «على جميع التونسيين العمل من أجل الحفاظ على وطنهم، حتى لا تصل الامور إلى أسوأ مما سبق».
ولأجل أن لا يحمل أحد دعوته أكثر مما قد تحتمل، فلم يفوت عبد الفتاح السيسي الفرصة ليقول بعدها إن «حديثي عن الشعب التونسي لا يعتبر تدخلا في الشؤون الداخلية، وانما رسالة لشعب كان فضله كبيرا على ما حدث في مصر».
لكن الدعوة المصرية التي أثارت حينها نقاشا محليا واسعا، ألقت شكوكا حول نجاح زيارة رسمية كانت الأولى التي قام بها قائد السبسي في وقت سابق للقاهرة، في كسر جمود علاقة عرفت ركودا واضحا منذ الانقلاب على الرئيس محمد مرسي وفي مدى توفق الرئيس التونسي، الذي كان حريصا على التأكيد خلالها في مؤتمر صحافي بقصر الاتحادية على «أننا نؤمن في تونس بمبدأ أن أهل مكة أدرى بشعابها، وأن لا تدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة من الدول»، في إقناع مضيفه بصدق وسلامة نوايا بلده في فتح صفحة جديدة، وإدارة الظهر للخلافات التي برزت بين الجانبين، خصوصا إبان حكم الرئيس المرزوقي. وعلى العكس من ذلك فقد كانت مؤشرا على أن سياسة النأي بالنفس، التي اتفق عليها الجانبان خلال تلك الزيارة، سقطت فعليا عند الاختبار الأول، وتبين أن المصريين لم يقتنعوا بالوقوف عند حد تصريح قائد السبسي، بل باتوا يفضلون التعامل وفق القاعدة التي تقول إن «خير وسيلة للدفاع هي الهجوم»، وإنهم ليسوا على استعداد، كما فهم من بين سطور حديث السيسي في عيد الشرطة، لأن يتساهلوا ويخاطروا بانتظار انتقال العدوى التونسية لبلدهم، حتى يتحركوا بعدها، بل إن ما يفضلونه هو الانتقال فورا إلى مهاجمة الخطر وضربه قبل أن يشتد عوده ويصبح خارج حدود السيطرة.
لكن ما الذي جعلهم لا يطمئنون تماما لتطمينات وتأكيدات الرئيس التونسي؟ وما الذي يخيفهم تحديدا من تونس التي تبعد عنهم مئات الكيلومترات؟ وهل أن هذا البلد الصغير يمكن أن يثير بالفعل كل قلقهم وانشغالهم؟
لا تملك تونس بالطبع حشودا عسكرية ضخمة تعادل أو تقارب قواتهم، وليست لها موارد أو قدرات تجعلها منافسا مفترضا لاي بلد، فضلا عن أن المشاكل والأزمات المستمرة التي تتخبط فيها لا تجعلها تطمح أو تفكر لا في تصدير ثورتها، ولا في الحصول على زعامة، أو دور يفوق حجمها أو وزنها الاقليمي. غير أن نقطة قوتها الوحيدة تقريبا هي انها بقيت، رغم كل الاضطرابات والهزات حالة فريدة واستثناء ديمقراطيا عربيا نادرا. والإشكال هو أن الأمر بدا منذ سبع سنوات أشبه بصراع مرير بين أن يذوب ويتلاشى ذلك الاستثناء تماما في القاعدة، وبين أن يحافظ على فرادته ووجوده، ويغير القليل إن لم يكن الكثير منها.
لقد ظل الجميع تقريبا بانتظار لحظة الانكسار والسقوط، رغم أن الرئيس التونسي الحالي كان كثيرا ما يفخر بأنه ردد ذات مرة امام قمة السبع الكبار، أنه لا وجود على الاطلاق لربيع عربي، وان كل التطورات التي حصلت قبل سنوات لم تكن سوى بوادر لربيع تونسي فحسب، لكن هل كان النجاح النسبي والمحدود لذلك الربيع يشكل بالفعل خطرا وتهديدا على دول أجهض ربيعها وسحق تحت أقدام العسكر؟ إن سألنا اي تونسي عما كسبه في السنوات السبع الاخيرة فسيقول من دون تردد انه كسب صوته وصار قادرا على التعبير الحر عن كل ما يشغله وكل ما يريده ولا يريده. وهذا المكسب الذي يهون منه معظم جيران تونس، هو ما يجعلهم يفعلون المستحيلات من أجل ألا ينتشر ويتوسع ويصير ربما القشة التي ستعصف يوما بأنظمتهم وتطيح بها. لكنهم لا يستطيعون الكشف أبدا عن مثل تلك المخاوف. فمن السهل على النظام المصري مثلا أن يقول لشعبه إنه يواجه خطرا ارهابيا في سيناء، أو على الحدود الليبية، أو انه بصدد التصدي لمؤامرة إثيوبية أو صهيونية للسيطرة على حصته من مياه النيل، ولكن ليس بمقدوره أبدا أن يلمح أو أن يكشف بأي شكل من الأشكال عن قلقه وتوجسه من التمدد السريع لفيروس الحريات الذي ضرب تونس ومن احتمال وصوله القريب إلى عقر داره.
والطريقة الوحيدة التي يستطيع فعلها لدرء تلك المخاوف والتصدي المبكر لها، هي إما التباكي على الاستقرار الذي فقدته تونس في ظل الحريات، مثلما فعل السيسي العام الماضي، أو الخروج باستنتاجات قطعية بأن الأحداث الظرفية التي تمر بها تدل بشكل جازم لا يقبل الطعن والتشكيك على الاطلاق على فشل التجربة وسقوطها، مثلما فعل عمرو اديب وهو واحد من رموز الاعلام المصري الموجه قبل ايام، حين قال في برنامجه التلفزيوني «كل يوم» «لقد كانوا يقولون لنا دائما إن الثورة أو الربيع العربي الذي نجح هو الربيع التونسي، وإن تونس هي نموذج الثورة التي نجحت، وهي تضم حكومة فيها الاخوان والليبراليين، وهو أمر فشلنا نحن فيه. ولكن ومنذ أربعة ايام هناك اضطرابات كبيرة جدا في تونس في اكثر من عشر مدن تونسية لاسباب اقتصادية وسياسية، لكنها في الغالب لاسباب سياسية»، قبل أن يتحدث عن حالة النهب والفوضى في شوارع تونس في أعقاب الأحداث الأخيرة، وعن أن الحكومة تعتبر كل المتظاهرين مخربين، وانها تلقى باللائمة في كل ما يحصل على المؤامرات الخارجية.
لكن التساؤل الذي يبقى قائما بعدها هو هل أن ذرف دموع التماسيح على الاستقرار التونسي المهدد والمغالطة والتشويه الإعلامي المقصود سيقنع التونسيين بالتنازل عن حرياتهم، والبحث عن جنرال مخلص يحقق لهم استقرارا ورفاها ونموا اقتصاديا عجز السيسي عن تحقيقه؟ وهل أنه سيجعل المصريين بالمقابل قانعين وراضين بحالهم ومسلمين مصيرهم ومستقبلهم لحكم العسكر؟
حتى الجنرالات الذين يصدرون ازماتهم إلى ليبيا والسودان وإثيوبيا لا يتوقعون ذلك رغم كل ما يفعلونه لحجب قلقهم وانشغالهم مما يحصل في تونس.

تعليقات الفايسبوك

اترك تعليقا

Please enter your comment!
Please enter your name here