سر انجذاب الشباب الأوروبي للولايات المتحدة

0
16

أحدثت انتخابات الرئاسة الأمريكية وانسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي جدلاً كبيراً في كلا البلدين. لكن كيف أثّر ذلك على شباب الوافدين الراغبين في إيجاد بديل للمملكة المتحدة؟

يعتقد كثيرون أن الموعد الدقيق الذي ستودع فيه المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي نهائياً لم يعد معروفا بسبب الضبابية في سياسات الأحزاب. وبينما يتجادل السياسيون، نجد العديد من أصحاب المهارات الشبان قد اتخذوا قرارهم بمغادرة بريطانيا.

لم تعد بريطانيا ضمن الدول الست المفضلة لدى الأوروبيين للانتقال للعمل فيها، وذلك حسب استطلاع أجرته شركة « بي دي أو » للمحاسبة الذي شمل أكثر من 10 آلاف من العاملين، ونُشر في شهر يناير/كانون الثاني، مشيراً إلى أن انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بدأ يؤثر فعلاً على مستقبل اقتصاد المملكة المتحدة.

في عام 2012، جاءت المملكة المتحدة في المرتبة الثانية مناصفة في هذا الاستطلاع السنوي، لكنها تراجعت حتى أصبحت الآن في مرتبة بعد كندا، وأستراليا، وألمانيا، وسويسرا، وإسبانيا. يأتي ذلك في الوقت الذي حافظت فيه الولايات المتحدة الأمريكية على الموقع الأول، بالرغم من تراجع عدد الزوار من مختلف بقاع العالم، وهو ما وصفه بعض من يعزون الأمر إلى سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتعبير « ركود ترامب »، مثل سياسات تقييد الهجرة، وتطبيق قواعد أكثر تشدداً فيما يخص تأشيرات الدخول لمواطني بعض الدول.

وقد صنّف ربع الأوروبيين الذين استطلعت آراؤهم الولايات المتحدة الأمريكية ضمن البلدان الثلاثة الأولى المفضلة للاستقرار من أجل العمل، رغم أن شعبيتها هذه قد تراجعت قليلا عما كانت عليه في السنوات القليلة الماضية. وعالمياً، لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تحتل المرتبة الأولى في هذا الشأن، مع أن نسبة الذين صوّتوا لصالح تصنيفها في المقدمة قد تراجعت أيضا من 34 في المئة، إلى 30 في المئة. تظاهرة للعاملين الشباب من مختلف أنحاء أوروبا ضد انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوربي نظمت في برلين بعنوان « مسيرة لأجل أوروبا »
« مهما يكن رأي شخص ما في سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، فإنها تبقى في المرتبة الأولى من بين دول العالم بسبب اقتصادها المزدهر »، حسبما يقول أحد الشركاء المستثمرين بشركة « بي دي أو » في لندن، أندرو بيلي. ويضيف: « لا يزال يُنظر إليها باعتبارها الحلم الأمريكي. » وتتفق بانو سينيورت، وهي ألمانية تدرس للحصول على شهادة ماجستير في إدارة الأعمال في نيويورك، مع هذا الرأي.

وتقول: « توجد فرص عمل في الولايات المتحدة الأمريكية أكثر بكثير مما في ألمانيا. بإمكانك تحقيق أهدافك في وقت أسرع. في ألمانيا، عندما يتعلق الأمر بالترقية في العمل، تُعطى أفضلية للفترة التي قضيتها في الشركة على مهاراتك الشخصية ». وتضيف سينيورت قائلة: « أرى الكثير من الاحتجاجات والمظاهرات، لكنني لم أتأثر شخصياً حتى الآن بسياسات ترامب، أخطط للبقاء هنا، لكني لا أعلم إن كان العيش والعمل هنا كأجنبي سيكون أصعب في المستقبل ».

أولويات متغيرة
يمكن لما ذكرناه أن يكون جزءاً من توجه أشمل، نظراً لتناقص رغبة الشباب الأوروبي في الاستقرار خارج أوطانهم، كما كان الحال قبل خمس سنوات خلت. « أصبح الأشخاص ممن تتراوح أعمارهم بين أواخر العشرينيات وأواخر الثلاثينيات أقل رغبة في الانتقال للعمل في الخارج لصالح نفس الشركة التي يعملون لديها في بلدانهم، مقارنة بذي قبل »، حسب قول كلاوس هانسن، المدير المشارك بشركة « أودجرز بيرندستون » للتوظيف عالمياً. ويضيف هانسن: « إنهم يحددون لأنفسهم أولويات أخرى، مثل شراء منزل أو الاستقرار العائلي ».

وفرة فرص العمل والاقتصاد القوي يجعلان من الولايات المتحدة الأمريكية وجهة مرغوبة للوافدين، حسب قول أندرو بيلي
بالنسبة للأوروبيين الذين يريدون اتخاذ قرار حول بلد العمل خارج أوطانهم، لم يعد الراتب هو العامل المنفرد الأهم، حسب قول بيلي. وبدلا من ذلك، هناك عوامل أخرى تؤثر على اختيارات الناس، مثل اقتصاد مزدهر، وتوفر المنازل، وجودتها، والعناية بالأطفال والمدارس، ونسب معقولة من الضرائب، ومستويات عالية من الرعاية الصحية.

من منظور اقتصادي، تواجه بريطانيا في السنين القادمة عدداً من التحديات المتعلقة بانسحابها من الاتحاد الأوروبي، حسب تحذير صندوق النقد الدولي. وقد أثّرت نتيجة الاستفتاء فعلاً على الطلب المحلي، وقيمة الجنيه الاسترليني المتراجعة، التي ساهمت في رفع أسعار المواد الاستهلاكية، وقللت من قوته الشرائية.

أما الاستثمار في الأعمال والتجارة، فقد تباطأ أكثر من المتوقع، مقارنة باقتصاد عالمي نشط. ويمكن لكل ما ذُكر أن يؤثر سلباً على استقطاب البلد للعمالة الأجنبية.

مرتبة منزلقة
نشرت مجموعة العلاقات العالمية « إنترنيشينز » العام الماضي الجزء الرابع من الاستطلاع الذي أجرته بعنوان « إكسبات إنسايدر »، والذي تُصنّف فيه 65 دولة حسب معايير جودة المعيشة، وسهولة الاستقرار وحياة العمل.

وقد تراجعت المملكة المتحدة في هذا الاستطلاع من المرتبة 21 إلى المرتبة 54. وفي حين حصلت المملكة المتحدة على مرتبة عالية فيما يتعلق بآفاق المهن، فإن الاستياء من السياسات وتكاليف المعيشة قد ساهم في حصولها على تلك المرتبة المتراجعة بشكل عام.

في أعقاب استفتاء انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، صنّف الوافدون الذين يعيشون فعلاً في المملكة المتحدة، ممن استطلعت آراؤهم، الوضع الاقتصادي في البلاد بأنه أكثر سلبية، وهو عامل رئيسي يؤثر على قرارهم بشأن البلد الذي سينتقلون للعيش فيه.

في استفتاء أجري عام 2017، والذي صُنِّفت فيه البلدان حسب جاذبيتها للوافدين، تراجعت المملكة المتحدة 21 مركزاً عن السنة السابقة، ويعود ذلك جزئياً إلى قرارها الانسحاب من الاتحاد الأوروبي
وقد علق مواطن سويسري يعيش في بريطانيا، ومن المشاركين في الاستطلاع، قائلاً: « يوجد كثير من اللغط والجدل عقب التصويت لصالح انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وهناك شعور بانعدام الأمان فيما يتعلق بمستقبل سوق العمالة ».

وتتوافق الأرقام التي يصدرها مكتب الإحصاء الوطني البريطاني مع هذا الشعور. وتبين أحدث الأرقام التي نشرها المكتب أن الهجرة إلى بريطانيا تراجعت بين شهري يونيو/حزيران 2016 ويونيو/حزيران 2017، وإن ثلاثة أرباع هذا الانخفاض سببه مواطنو الاتحاد الأوروبي.

ورغم أن نسبة الأشخاص القادمين إلى المملكة المتحدة ليشغلوا « وظيفة مؤكدة » ظلت ثابتة، فإن عدد من يأتون إلى المملكة المتحدة بحثاً عن وظيفة بات أقل حاليا. وبحسب مكتب الإحصاء الوطني فإنه على الرغم من أن اتخاذ قرار الهجرة يعد عملية معقدة، تشير المستجدات إلى أن انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي هو على الأرجح عامل من العوامل التي تؤثر على قرار الناس بشأن القدوم إلى المملكة المتحدة، أو مغادرتها. ومع ذلك، تقول وكالة العمل بألمانيا الاتحادية إن المملكة المتحدة تظل وجهة مشهورة للألمان الشباب الساعين للانتقال إلى الخارج، وخاصة بالنسبة لمن يريدون تحسين لغتهم الانجليزية.

« لكن الملاحظ هو شعور بالتردد بين المتقدمين بشأن ما إذا كانوا سيظلون هناك بعد انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي »، حسب قول مارسيل شموتزلر، الناطقة باسم وكالة العمل الألمانية. وتضيف: « الولايات المتحدة الأمريكية أكثر استقطاباً لأنها ذات مساحة أكبر، ولها اقتصاد قوي. وتعد العديد من الأماكن في الولايات المتحدة الأمريكية مألوفة بفضل التلفزيون والأفلام. كما أن العديد من شركات تقنية المعلومات والأسماء التجارية للأجهزة المنزلية، والتي تمارس تأثيراً متنامياً على حياتنا، تأتي من الولايات المتحدة الأمريكية. ولهذا البلد أيضا مغريات خاصة للعمل في مجالات البحث والتطوير ». ولعل تدفق العمالة الشابة في النهاية، سيؤول إلى أمر غير ملموس نوعاً ما، ويتعلق بما إذا كان القادمون الجدد سيشعرون بالترحيب أم لا، في موطنهم الجديد. « يود الناس أن يحلّوا في مكان يحسون فيه بالترحيب »، حسب قول بيلي من شركة « بي دي أو ». ويضيف: « كما أن تصريحات الساسة لها وقع مؤثر بالفعل. فإذا ظلت المملكة المتحدة منفتحة على العالم، فإنها ستظل وجهة محبوبة، وأي بلد يغلق أبوابه لن يكون جذابا في أعين الناس ».

(بي بي سي)

تعليقات الفايسبوك

اترك تعليقا

Please enter your comment!
Please enter your name here