حادث مقتل الأنبا إبيفانيوس

جمال سلطان

0
20

هناك حالة من التعتيم الإعلامي الواضحة تجاه الحادث الخطير الذي وقع فجر الأحد الماضي في دير الأنبا مقار في وادي النطرون، حيث قتل مجهول الأنبا إبيفانيوس رئيس الدير بطريقة وحشية وفيها قدر كبير من الغضب والكراهية، حتى أن شهود الواقعة من أساقفة الدير قالوا أن الطعنة التي تلقاها « إبيفانيوس » في رأسه أخرجت جزءا من المخ، كما وجده الرهبان غارقا في دمائه وملقى على وجهه على الأرض داخل الدير، وأظهرت التحريات الأولية للشرطة استخدام مرتكب الجريمة لأداة حادة لقتل المجني عليه في أثناء خروجه من « القلاية »، مكان سكن الرهبان.

مصادر كنسية استبعدت تماما فرضية العمل الإرهابي وراء الجريمة كون أن الأسقف ليس بالشخصية العامة الشهيرة ولا يمكن تمييزه عن باقي رهبان الدير، لافتة إلى أن الهدف من الجريمة هي « قتل رئيس الدير » وليس « السرقة »، وهو ما يعني أن الجاني ستوجه إليه تهمة « القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد »، كما أن الدير لا يدخله أساسا إلا الأقباط، سواء كانوا عمالا أو قساوسة، وهذه هي المرة الأولى التي يشهد فيها الدير مثل هذا الحادث الوحشي.

أحد أصدقاء الفقيد، وهو الراهب « باسيليوس » قال لوسائل إعلام أن القاتل هو أحد الموجودين بالدير وليس من خارجه إذ أنه يعرف ممرات الدير جيدا وأماكن كاميرات المراقبة، إذ أنه يوجد بالدير كاميرات مراقبة إلا في المنطقة التي تمت فيها جريمة القتل، بما يعني أن القاتل يعرف خريطة المكان بشكل دقيق، كما أنه استهدف رئيس الدير ولم يستهدف أحدا أخر، واستبعد الراهب، أن تكون الجريمة بهدف السرقة، حيث لا يمتلك رئيس الدير أي شيء، ولم يتم الكشف عن سرقة أي من متعلقاته، كما ألمح إلى أن عمال الدير كلهم مسيحيون ولا يوجد ما يدفعهم لارتكاب تلك الجريمة لافتًا في الوقت نفسه إلى عدم وجود خلافات بين الأنبا إبيفانيوس وأيا من رهبان الدير أو العمال مشيرا إلى أن جريمة مقتل الأنبا إبيفانيوس، هي أول جريمة في تاريخ الكنيسة تقع بين جدران الدير، وتعد حدثا استثنائي ما جعلها تهز الكنيسة، ويتخوف الأقباط من قيدها « ضد مجهول ».

كلام القمص « باسيليوس » يحمل إشارات واضحة إلى أن خلافات كهنوتية قد تكون وراء الجريمة، أو بمعنى أوضح عملية تصفيات عقائدية داخل الدير، وقد اشتهر دير الأنبا مقار تحديدا ورهبانه بخلافهم فكريًا مع الكنيسة الأم في بعض الأمور اللاهوتية، وحدث صدام بين الدير والكنيسة منذ عهد البابا الراحل شنودة الثالث.

تحقيقات النيابة لم تفض إلى أي أدلة حاسمة عن القاتل حتى الآن، كما أن أجهزة الشرطة ـ لاعتبارات دينية ـ يصعب أن تمارس بعض وسائل التحقيق المعتادة في مثل تلك الجرائم الكبيرة، غير أن التحركات الطارئة والحاسمة التي أجراها الأنبا تواضروس بعد وقوع الحادث، تشير إلى أن الأزمة العقائدية عميقة للغاية داخل الكنيسة بالفعل، وكذلك تغلغل صراعات المال في علاقات عدد من الرهبان بجهات خارج الكنيسة، فقد أصدر البابا تواضروس عدة قرارات عاجلة منع بموجبها الرهبان من الدخول في أي جدل أو نقاش أو حوارات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة الفيسبوك، وطالبهم بغلق حساباتهم في تلك المواقع على الفور، كما أمر بإعادة توزيع الرهبان بين الأديرة، بداعي ضبط العدد الملائم لكل دير، غير أن هذه التغييرات ـ كما تسرب ـ استهدفت دير الأنبا مقار تحديدا والذي يشهد انقسامات عقائدية حادة، بين الموالين للبابا السابق شنودة، وبين الموالين للأنبا متى المسكين ومدرسته، وهي خلافات عنيفة خرجت إلى الفضاء العام في الفترات الأخيرة، إذ ينقسم الدير إلى مدرستين عقائديتين، بعض الآباء من سكان الدير الأصليين من أبناء الرعيل الأول والثاني من تلاميذ متى المسكين، أما باقي الرهبان فهم من وفدوا إلى الدير بعد وفاة المسكين عام 2006، أو من انضموا للبابا شنودة بعد زيارته الشهيرة للدير عام 2009 التي أراد بها إخضاع دير أبو مقار لسيطرة الكنيسة إداريا بعدما عمد إلى تغيير الشكل الرهباني لرهبان الدير وحمل معه في سيارته 120 قلنسوة رهبانية « غطاء الرأس »، ممن كانت مفروضة على كل رهبان الأديرة، بينما امتنع رهبان دير أبو مقار عن ارتدائها.

أيضا أمر البابا تواضروس بوقف أي حملات لجمع التبرعات لبناء كنائس أو إنشاء أديرة، بدون توجيهات مباشرة منه، خاصة بعد أن وقعت خلافات علنية بين الرهبان على خلفية جمع أموال طائلة لا يعلم لها حصر ولا مراجعة، وكان المغدور الأنبا إبيفانيوس قد أصدر بيانا قبل عامين يحذر فيه من أن بعض الرهبان في الدير يجمعون أموالا من الأقباط بدعوى إنشاء أديرة وكنائس، وأن هذه التحركات لا يعرف عنها شيئا ولا تنتسب إلى الكنيسة، وحذر من دفع تلك الأموال، وذكر أسماء محددة لرهبان قاموا بمثل تلك الممارسات.

الكنيسة الأرثوذكسية المصرية جزء لا يتجزأ من نسيج الوطن وهموم ناسه، مثلها مثل الأزهر وباقي المؤسسات الدينية، ومن المفهوم أن تجتاحها أحيانا بعض مظاهر التطرف والعنف الديني، ومن الواضح أن هذا التطرف والعصبية ليس وقفا على تحرشات طائفية ضيقة الأفق بين عوام من المسلمين وعوام من الأقباط، بل وصلت نيران التطرف وعنفها إلى صراعات مروعة داخل الكنيسة نفسها، بعد فقدان السيطرة على الصراعات العقائدية داخلها، وقد علمنا تاريخ الإصلاح الديني، والكنسي تحديدا، أن إصلاح مسار الكنيسة لا يمكن بدون حوار مجتمعي وفكري ومعرفي مستنير، وبالتالي فأجواء التكتم والتستر على ما يجري في تلك المنطقة الآن، لا تساعد على إصلاح الحالة الدينية، ولا تساعد المجتمع على علاج التطرف من كل نواحيه، والحساسية المفرطة في تناول الصراعات العقائدية داخل الكنيسة مضرة بالوطن كله، وليس بمستقبل الكنيسة أو الأقباط فقط.

تعليقات الفايسبوك

اترك تعليقا

Please enter your comment!
Please enter your name here