تونس.. تطبيق إملاءات صندوق النقد الدولي تؤجج الشارع

0
36

هي سنة الإصلاحات الكبرى في نظر الحكومة، ولكنها بداية فعلية لتطبيق إملاءات صندوق النقد الدولي، وفق الأطراف الاجتماعية وأحزاب المعارضة الرافضة للسياسات الاقتصادية التي مضت الحكومة قدماً في تطبيقها من خلال قانون المالية الجديد (الموازنة) حيز التطبيق.

ومنذ غرة يناير/كانون الثاني الجاري، استفاق التونسيون على موجة غلاء طاولت كل المواد الاستهلاكية والخدمات، بعد أن أقرت الحكومة تحت عنوان الإصلاح الضريبي زيادة ضريبة القيمة المضافة، ورفع رسوم العديد من الخدمات.

وأبرمت حكومة الحبيب الصيد اتفاقاً مع صندوق النقد في 2015، للحصول على قرض بقيمة 2.8 مليار دولار، يتم صرفه على أربع سنوات.

وبحسب بيان صادر عن الصندوق آنذاك، فإن القرض المتفق عليه يأتي كدعم لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الشامل الذي وضعته الحكومة التونسية القائم على « تسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية في تونس لتخفيض مواطن الضعف، ودفع عجلة النمو، ودعم توفير فرص العمل على نحو قابل للاستمرار ».

وقد مثل تطبيق الاتفاق بين الحكومة وصندوق النقد الدولي مصدر حرج كبير لحكومة يوسف الشاهد الحالية، نظراً لإدراكها المسبق لتداعيات هذا الاتفاق، الذي طاول كل الجوانب المعيشية للتونسيين، غير أن حاجة الحكومة الحالية للتمويل الخارجي دفعتها إلى المضي قدما في تطبيق ما تصفها بالإصلاحات الجريئة، بينما تراها المعارضة كارثية.

وينص الاتفاق بين الصندوق وتونس على توسيع قاعدة دافعي الضرائب وزيادة الحصيلة من الأشخاص والمؤسسات، إلى جانب التفويت (خصخصة) جزء من المؤسسات الحكومية ذات الطابع الخدمي وإصلاح النظام المصرفي، فضلا على وقف الانتدابات (التعيينات) في القطاع الحكومي وخفض كتلة الأجور ولو بتسريح الموظفين.

وتشرع الحكومة في إطار إصلاح القطاع العمومي بداية من مارس/ آذار المقبل، في تسريح أول دفعة من الموظفين قوامها 10 آلاف موظف، مع مواصلة العمل ببرنامج التسريح المبكر، الذي يستهدف 50 ألف موظف حتى عام 2020. ومقابل خفض كتلة الأجور تواجه تونس ارتفاعا غير مسبوق في نسبة التضخم، التي صعدت في غضون سنة واحدة من 4% بداية 2017 إلى حدود 6.7% وفق أخر البيانات الصادرة عن معهد الإحصاء الحكومي مؤخراً.

ويقول عضو البرلمان جيلاني الهمامي في حديث لـ »العربي الجديد »، إن « الحكومة ستدفع باهظاً ثمن خضوعها لإملاءات النقد الدولي »، معتبرا أن « الاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة التي اندلعت في البلاد ليست إلا بداية لموجة غضب عارمة قد تتحول إلى ثورة جياع ». وأضاف الهمامي أن « سياسة صندوق النقد في كل الدول لم تفض إلا لمزيد من الفقر وسحق الطبقات الضعيفة »، داعيا إلى تعليق العمل بالاتفاق المبرم مع الصندوق والبحث عن حلول تتأقلم والواقع التونسي.

لكن تونس تتعرض لانتقادات لاذعة من صندوق النقد الدولي، بسبب كتلة الأجور، التي وصفتها مديرة صندوق النقد كريستين لاغارد بالأعلى في العالم نظرا لاستحواذها على 14% من النائج الإجمالي للدولة.

وأقر البرلمان نهاية الأسبوع الماضي موازنة تقدر بنحو 14.55 مليار دولار، وتضمن قانون المالية للعام الجديد، العديد من الإصلاحات الضريبية التي طاولت الشركات والأشخاص بدأ العمل بها في الأول من يناير/ كانون الثاني الجاري.

وتتوقع الموازنة عجزاً يبلغ 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2018 من نحو 6% العام الماضي. وتهدف الحكومة لرفع معدل نمو الناتج المحلي إلى نحو 3%، مقابل 2.3% في 2017.

وكان الوزير المكلف بالإصلاحات الكبرى توفيق الراجحي قد قال في تصريح لـ »العربي الجديد » في وقت سابق، إن الاتفاق الذي خلصت إليه الحكومة مع وفد الصندوق يؤكد المسار الإصلاحي الذي تنتهجه الحكومة، مشيرا إلى أهمية مواصلة هذا المسار لتحقيق الأهداف المرسومة والتخلص من عثرات الماضي متوقعا صرف القسط الجديد من القرض المتفق عليه يوم 13 فيراير/ شباط المقبل.

وقال الخبير الاقتصادي معز الجودي، إن « الحكومة هي التي طرقت أبواب صندوق النقد، وعليها أن تمتلك الجرأة الكافية لتمرير الّإصلاحات المطلوبة منها، وتقليص تداعيات الإصلاح على معيشة المواطنين بدفع النمو وخلق الثروة ».

وأضاف الجودي في حديث لـ »العربي الجديد » أن « المعارضة تروج لمغالطات حول ارتهان القرار السياسي لصندوق النقد الدولي »، مشيرا إلى أن الصندوق ككل مؤسسات التمويل يضع شروطاً مقابل تمويله.

وتابع أن « الدور الحكومي يتمثل في كيفية التحكم والتصرف في الأموال الممنوحة وتوجيهها نحو الاستثمار، بدلا من الاقتراض لدفع الأجور من أجل إطفاء الحرائق الاجتماعية عبر انتدابات (توظيف عمومي) أثقلت كاهل الدولة ».

وخلال الفترة من 29 نوفمبر/ تشرين الثاني و13 ديسمبر كانون الأول 2017، زار وفد من صندوق النقد الدولي تونس، بهدف مراقبة مدى تقدم الإصلاحات التي يطالب بها الصندوق، لضمان مواصلة دعمه للاقتصاد التونسي المتعثر مقابل صرف شريحة ثالثة من القرض تصل قيمتها إلى 319 مليون دولار.

وترى الحكومة أن هذه الشريحة مهمة لتمويل الموازنة التي تحتاج هذا العام إلى نحو 3 مليارات دولار من التمويلات الأجنبية، يتوقع أن توفرها الحكومة عبر قروض خارجية وطرح سندات في السوق االدولية. لكن الحكومة تواجه ضغوطاً شعبية متزايدة لإحداث تعديلات بقانون المالية الجديد، من أجل تهدئة الغضب المتفجر في عدد من محافظات البلاد بسبب موجة الغلاء الأخيرة.

وتتزايد مخاوف اقتصاديين وبرلمانيين من تصاعد الاحتجاجات ضد الإجراءات الحكومية الجديدة المتعلقة بالجباية وتداعياتها على الأسعار، ما دفعهم للمطالبة بتخفيف الإجراءات التقشفية، فيما تؤكد الحكومة صعوبة التراجع عن المسار الإصلاحي في ظل الأزمة المالية الحادة التي تواجه البلاد.

(العربي الجديد)

تعليقات الفايسبوك

اترك تعليقا

Please enter your comment!
Please enter your name here