تركيا وقطر تجددان بنية المحاور الإقليمية

محمد هنيد

0
17

أعلن بالأمس أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عن استثمارات مباشرة في تركيا تقدر بأكثر من خمسة عشر مليار دولار لدعم الاقتصاد التركي ومساندة الليرة التركية. الإعلان القطري جاء في سياق أزمة مالية استهدفت القطاع المصرفي التركي عقب تشنج العلاقات بين تركيا من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى. قصة القس الأمريكي الذي تتهمه تركيا بالضلوع المباشر في المحاولة الانقلابية التي شهدتها تركيا مؤخرا تبدو كرأس جبل الجليد في الأزمة الأخيرة لكنها تخفي وراءها ملفات أخرى كثيرة لم تظهر بعد على السطح ولا تزال حبيسة الأروقة المغلقة.

الموقف القطري المتضامن مع تركيا ليس جديدا بسبب تاريخ العلاقات الاستراتيجية المتينة التي تربط الدولتين منذ سنوات والتي تجلت واضحة خلال أزمة حصار قطر وتحرك القوات التركية التي منعت التدخل العسكري في اللحظة الحاسمة. لكن الخطوة الأخيرة التي خطتها قطر في اتجاه الدعم المباشر والصريح للاقتصاد التركي تقرأ هي الأخرى في اتجاه الدعم المتبادل لتقوية الموقف التركي الذي يتجاوز الأزمة الأخيرة ليضرب بعيدا في بنية التحالفات الجديدة في منطقة المشرق العربي وجوارها الإقليمي.

تشكل تركيا الجديدة ظاهرة سياسية وحضارية جديرة بالتأمل والدراسة فقد نجحت أنقرة في فترة وجيزة قياسا بمسارات الأمم من التحول إلى قوة إقليمية ضارية وإلى فاعل سياسي وعسكري واقتصادي ثقيل تجاوز بسرعة دور المفعول به الذي طبع السياسة التركية خلال النصف الثاني من القرن المنصرم. لا يقتصر الأمر على القفزة النوعية للاقتصاد التركي أو الإنجازات الاجتماعية الهائلة التي حققها حزب العدالة والتنمية أو غيرها من الإنجازات بل يتمثل أساسا في الهوية السياسية الجديدة لتركيا والتي يعبرها عنها الرئيس الرئيس رجب طيب أردوغان. فالمواقف السياسية التركية من قضايا المنطقة المشرقية وسعيها إلى الاستقلال بقرارها السياسي هي التي تشكل في نظرنا سبب الهجمة الدولية الشرسة عليها.

رفضت تركيا الاعتراف بالثورات المضادة التي أطاحت بالتجربة الديمقراطية الوليدة في المنطقة العربية وخاصة في مصر عندما أعلن الأتراك مساندتهم لمخرجات الانتخابات المصرية ودعم الرئيس الشرعي محمد مرسي وبالتالي رفض الاعتراف بالانقلاب العسكري وهو نفس الموقف القطري تقريبا الذي ينبع من داخل السياق العربي لا من خارجه. وقفت الدبلوماسية التركية إلى جانب القضية الفلسطينية وأعلنت عن إنكارها لصفقة القرن التي عجّل محور الحصار في تسويقها إلى الرأي العام كما أقرت بأن القدس عاصمة فلسطين التي لا تنازل عنها واجتهدت في محاولات فك الحصار عن قطاع غزة ودعم الشعب الفلسطيني ماديا ودبلوماسيا. هذا الموقف يتقاطع مع الموقف القطري الذي كان حجر عثرة في طريق التسليم بصفقة القرن والذي كان حصار قطر أحد أهم نتائجه.

تسعى قطر منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي إلى الخروج من قبضة المحاور العربية التي مزقت الأمة والتي لم تنجح في منع كل الحروب التي عرفتها المنطقة بدءا بحرب الخليج وصولا إلى المذبحة السورية المفتوحة. حاولت قطر التأثير في بنية التكتلات العربية عبر خلق نموذج سياسي متحرر من ربقة الإكراهات الإقليمية بشكل يضمن لها التعبير عن خيارات سياسية ودبلوماسية خاصة بها. نجحت السياسة القطرية نجاحا كبيرا في صياغة منوالها السياسي الخاص بها ودفعت في سبيل ذلك ثمنا باهضا لعل آخره حصار قطر الذي كان يهدف رأسا إلى قلب نظام الحكم ووضع نظام تابع بدله ينصهر مجددا في البنية السياسية العربية المتكلسة. لكن قطر تبقى دولة صغيرة بحاجة إلى إسناد دولي وإقليمي كبير من أجل المحافظة على توازنها السياسي من ناحية ومن أجل الإبقاء على وتيرة نموها الاقتصادي والتنموي من ناحية أخرى. دوليا تحركت الدوحة بحذر شديد في سبيل ضمان التوازن بين مراعاة مصالح الدول والشركات الغربية من جهة وربطها بالمصالح والخيارات الاستراتيجية القطرية من جهة أخرى بشكل يجعل من علاقة الشراكة والمصلحة المشتركة أعلى من موقف التبعية أو حال الهيمنة الأحادية.

أما إقليميا وهو الموقف الأهم فقد حافظت الدوحة على علاقات جوار ناجحة مع إيران التي تقاسمها أكبر حقل غاز وهو حقل بحر الشمال كما عملت طويلا على إرضاء دول مجلس التعاون الخليجي عبر تنازلات كبيرة منذ فترة الملك عبد الله رغم كل التهديدات التي كانت تتعرض لها بما في ذلك المحاولة الانقلابية الفاشلة في 1996. لكن فشل كل المحاولات القطرية في الحصول على إسناد عربي يحتفظ لها بسيادتها جعلها تسارع في صياغة تحالفات إقليمية جديدة لعل أهمها اليوم هو التحالف القطري التركي.

إن ما نراه اليوم من تقارب وثيق بين الدوحة وأنقرة إنما يتنزل في إطار الشراكة الاستراتيجية الجديدة التي تتطور بين البلدين على أساس الرؤية السياسية المتقاربة من ملفات المنطقة وعلى قاعدة المصلحة المشتركة والثقة المتبادلة التي فقدتها قطر في جوارها العربي باستثناءات قليلة. من جهة أخرى ترى أنقرة في دولة قطر حليفا استراتيجيا يمكن التعويل عليه عند الأزمات خاصة أن الدوحة تمثل بقوة هذا الجيل الجديد من الدول والقيادات السياسية التي تخلصت من عقدة الولاء المطلق للسياسات الدولية وإكراهاتها المخلة بالسيادة. إن المحور القطري التركي يشكل اليوم نواة صلبة لتكتل سياسي واقتصادي عربي إسلامي قادر على الوقوف في وجه المشاريع المهددة لدول المنطقة ولثرواتها وهو محور قادر أيضا على تجديد تشكل الأقطاب العربية والخروج من حالة التشرذم التي يعيشها البناء السياسي العربي عامة.

تعليقات الفايسبوك

اترك تعليقا

Please enter your comment!
Please enter your name here