« العقدة التركية ».. وأصحاب بيوت الخبرة في الفشل!

سليم عزوز

0
17

لم يعد انتصار تركيا يزعج خصومها فحسب، ولكنه صار أيضاً ينكد على من هم من المفروض أنهم أقرب إليها من حبل الوريد؛ سواء في التوجه، أو في المصير المشترك!

فانتصار أردوغان في أي معركة « يقلب المواجع » على هؤلاء، ويذكرهم بهزيمتهم، حتى تحول الأمر إلى « عقدة » يحتاج المصابون بها أن يخضعوا للعلاج النفسي. فقد هزموا في موقعة الانقلاب العسكري في مصر، وصار أي انتصار تركي يفكرهم بفشلهم « النموذج ». وكانوا يريدون للهزيمة أن تصبح قدراً؛ فلم يهزموا لعجزهم، ولم يكن لهم ولغيرهم من سبيل للانتصار!

عندما بدأت أخبار الانقلاب العسكري في تركيا تجد طريقها للإعلام الخارجي، « تسير » القوم هؤلاء، بمعنى أنهم ذكروا سيرتهم، وأعلنوا الهزيمة مبكرا، وأن الجيش قد نزل للشوارع.. فقد طوت تركيا صفحة أردوغان، وأن على أنصاره أن يقبلوا بالهزيمة بروح رياضية. فنحن السابقون وأنتم اللاحقون، وهم أصحاب سوابق في الهزيمة، وأن على الأتراك ألا يحتجوا على ذلك، حتى لا يرتكب الجيش التركي مذابح ضدهم كتلك التي شهدتها مصر في « رابعة وأخواتها »!

وإذ بدأتُ ليلتها في متابعة وقائع ما يجري، واعتمدتُ على غير المصريين في معرفة حدوده، وبدأت أبشر بالانتصار، فقد راعني أن من يستهجون موقفي، ويطلبون مني ألا أساهم في تضليل الناس، وترويج المخدرات، من هم معنا في الوقوف ضد الانقلاب العسكري في مصر، حتى حذفت ليلتها عدداً منهم ليس بالقليل، وكثيراً ما أجد نفسي ممتناً لمارك لوضعه هذه الخاصية: « البلوك ».

وعندما بدأ الأتراك يخرجون للشوارع لمواجهة هذا الانقلاب بشجاعة يحسدون عليها، وقد شاركهم في ذلك عرب ومصريون أعرفهم، كانت رسائل أصحاب الخبرة للشعب التركي ألا يتورط في المواجهة؛ لأن المعركة محسومة، وأن العسكر هم الغالبون، وأن هذا ما تعلموه من التجربة المصرية، ومن حسن الحظ أن الأتراك لا يعرفون العربية ومن يخاطبونهم لا يعرفون لغتهم. فلو تمت الاستجابة لأصحاب بيوت الخبرة في الفشل، لكان أردوغان الآن في السجن، ولكان من يحكم تركيا هو أحد الجنرالات!

وهؤلاء شاركوا الثورة المضادة في السخرية من نداء أردوغان عبر الهاتف النقال، واعتبروها كاشفة عن النهاية، وتأكيداً على خصلة الاندفاع لرجل يفتقد للحكمة التي يتمتع بها أصحاب بيوت الخبرة هؤلاء، فماذا بقي له من مظاهر الوجود سوى هذا الظهور البائس؟!

لكن لم تمر سوى دقائق حتى كان للنداء تأثير السحر، فشحذ الهمم، وخرج الشعب التركي ليؤدب الخارجين على إرادته، ويجبروهم على خلع الملابس العسكرية، ويجردوهم من السلاح، فهذا سلاح الشعب ولا يجوز لخائن أن يحتفظ به مع ظهور خيانته!

هل أقول إن الشعب التركي كان بالفعل في الشوارع يتصدى للخونة حتى قبل هذا النداء، وأن تأثيره الأهم كان في نزول المراسلين للقنوات الأخرى من مكاتبهم ليطالعوا هذا الخروج الجماهيري الحاشد، بعد ساعات من اعتماد أغلب المراسلين على ما تبثه قناتي « العربية » و »سكاي نيوز عربية »، وغيرها من قنوات الثورة المضادة، التي استعدت جيداً لهذه اللحظة، لدرجة أنها كانت تبث بيانات لقوات الانقلاب لم يثبت إلى الآن أنها أطلقتها فعلا؟!

وإذ فشلت المحاولة الانقلابية، فلم تفشل محاولات قوى الثورة المضادة في إفشال أردوغان واسقاطه وكان الاقتصاد هنا هو السلاح، لكن أردوغان واجه ذلك بشجاعة، كان ينبغي أن تكون سبباً في الاحتشاد خلفه وشحذ همته، إلا أن أصحاب بيوت الخبرة اعتبروا هذا تهوراً، فكيف له أن يقف في واجه أمريكا؟!

في أداء هؤلاء ما يوحي كما لو كانوا أعداء للرجل، لكن الحقيقة أنهم كانوا يتحركون بعقدة الفشل التي تمكنت منهم حتى صاروا مرضى نفسيين!

لم يكن أردوغان يقول « شكل للبيع »، فالرئيس الأمريكي ذاته جهر بموقفه المعادي، وبدا المطلوب من الرئيس التركي أن ينبطح، فلما لم يفعل اعتبرها قومنا النهاية، ومن ثم انطلقوا يعطوا دروسا في الانبطاح وأهميته، باعتبارهم أصحاب خبرة فيه، فمن يقدر على أمريكا؟!

وهذا الأداء يدفع المرء للتساؤل: وما هو المطلوب من الرجل على وجه الدقة؟ أن ينبطح؟ وماذا جنيتم من الانبطاح وقد كنتم فعلاً عند حسن ظن الأنظمة الغربية!

إن حرب الليرة هي الامتداد لمحاولة الانقلاب الفاشلة، ولم يكن أردوغان قد « جر شكل » القوى الدولية لتتآمر عليه وتسعي إلى إسقاطه بالانقلاب، وهي المحاولة الانقلابية التي شاركت فيها كذلك قوى إقليمية، سواء بالفعل أو بالصمت، ولم يكن بينها وبين تركيا ما يدفع لذلك!

إن مشكلة أردوغان أنه حاكم مسلم معتز بنفسه، وأنه كذلك حاكم قوي في منطقة تقرر أن يكون حكامها هم وكلاء الاستعمار، وأنه يعمل على النهوض ببلده وهذا عكس أهداف المستعمر الذي يريد للمستعمرات المزيد من الجهل والفقر والتبعية، فماذا بإمكانه أن يقدم حتى يرضى عنه عقلاء العالم الثالث، أصحاب بيوت الخبرة في الفشل والهزيمة؟!

عندما بدأ انتصار أردوغان في معركة الليرة يلوح في الأفق، كان رد الفعل كما جرى عقب فشل الانقلاب، فالانتصار التركي يرجع إلى وعي الشعب، وأن الهزيمة في مصر كانت لافتقاد الشعب لهذا الوعي، وفي الحالتين كانت الفرصة مواتية لتسفيه الشعب المصري، ولا شيء عن أردوغان، ومن يقابله في الحالة المصرية!

لقد خرجت الجماهير في مصر كما خرجت الجماهير في تركيا، فالمشكلة لم تكن في افتقاد الشعب المصري للوعي، لكن شتان بين زعيم أمر، وزعماء أنهكوا الجماهير في الكر والفر، الذي لا نعرف الهدف منه حتى الآن!

لم تكن السوابق المصرية على بالنا في معركة الليرة، لكن أصحاب الخبرة في الفشل، تغلب عليهم عقدتهم فيصرون على تذكيرنا بالهزيمة!

إنهم بذرة فشل!

تعليقات الفايسبوك

اترك تعليقا

Please enter your comment!
Please enter your name here