الحكومة التونسية الجديدة …بيْع الوهْم

0
104

أُعلن مؤخرا في تونس عن تشكيلة الحكومة الجديدة مع رئيس وزراء الجديد وهي حكومة ترى النور بعد تجاذبات سياسية كثيرة وفرقعات إعلامية لا تنتهي. فرغم ما يوحي به المشهد بأن تجديدا ما هو بصدد الإنجاز وأن الفريق الحكومي الجديد سيتجاوز ما عجز عنه أسلافه القدامى في الحكومة السابقة فإن كل المؤشرات والأدلة المادية والمعنوية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن الحكومة الجديدة لا تختلف كثيرا عن الحكومة السابقة بل يمكن القول بأنها أشد سوءا من كل سابقاتها.

 لا ننطلق في هذا التقييم من مقاييس إيديولوجية أو حزبية أو سياسية مهما كان نوعها بل إن أهم معايير التقييم للشكل الحكومي المنتخب يتمثل في الواقع الاقتصادي أولا ثم في الواقع الاجتماعي للسواد الأعظم من أهل تونس ثم خاصة ويتجسد قبل كل شيء في مبادئ الثورة التونسية المباركة ثورة 17 ديسمبر كانون الأول في سيدي بوزيد.

الاقتصاد التونسي ينازع النزْع الأخير وهو لا يختلف في ذلك عن الاقتصاد المصري  باعتباره مِحرارا لقياس الفعل الانقلابي – عسكريا كان أو سياسيا أي بالقوة العسكرية أم بالقوة الانتخابية –  وأثره المدمر على الدولة والمجتمع.

المجتمع التونسي بكل فئاته الاجتماعية يعيش أوضاعا شبه مأساوية من ارتفاع المرعب للأسعار وانتشار كارثي للفساد والرشوة والمحسوبية والوساطة بشكل فاق ما كانت تمارسه عصابات النظام القديم إبان حكم الرئيس الهارب بن علي.

الحياة السياسية أشبه بصراع الضباع على الفريسة الميتة حيث تمارس دكاكين الأحزاب وحوانيت المرتزقة من شعارات الايديولوجيا البائسة كل أنواع التظليل الإعلامي من أجل الظفر بنصيب من فتات الكعكة التي تشارف على النفاذ.

المشهد الإعلامي باعتباره المعبّر الأساسي عن المشهد التونسي يلخّص لوحده حجم الخراب والدمار الذي طال المجتمع والدولة عبر تخصصه في نشر الاشاعات والتظليل ومحاربة الهوية لغة ومعتقدا وإمعانه في تغييب المواطن عن دوره وعن حقوقه وعن الأخطار التي تحدق به من كل صوب.

الثابت في المشهد التونسي اليوم جملة من العناصر التي قد لا يختلف فيها كثيرون في الداخل :

أولها أن الثورة التونسية الخالدة بكل شعاراتها ومكاسبها هي بصدد التصفية لأن الجميع من نخب الاستبداد التونسية لا يرى له مصلحة مباشرة في تفعيلها أو في السعي إلى تجسيدها عبر بعض الوسائل القانونية التي أفرزتها الثورة على نُدرتها.

الثاني هو أن الوضع التونسي لا يُتحكم فيه داخليا بقدر ما هو يُدار مباشرة من الخارج وخاصة من الدوائر المالية العالمية المُقرضة أو من طرف بعض السفارات الفاعلة في المشهد التونسي.

الثالث هو سيطرة الدولة العميقة ـ بما هي هياكل وظيفية مبثوثة في كامل مفاصل الدولة التونسية ـ على مراكز القرار بشكل يستحيل معه إجراء أي إصلاح جذري يحقق انتقالا حقيقيا نحو دولة الكرامة والعدالة الاجتماعية ونحو الشعارات التي من أجلها سقط شهداء ثورة الغضب التونسية.

الرابع استحكام الفساد وثقافة الفساد وأخلاق الفساد بشكل يستحيل معه تحرير الإدارة التونسية والاقتصاد من قبضة العصابات واللوبيات المتحكمة فيه بل إن الفساد نجح في خلق دولة له داخل الدولة كما نجح في خلق أذرع إعلامية وسياسية حزبية تمنع الوصول إلى جذوره العميقة.

خامس العناصر الثابتة في تونس اليوم هو أن تحالف الاسلاميين مع جماعة بن علي في ثوبهم الندائي الجديد لم يكن إلا على حساب الثورة والثوار حيث تقاسم المكوّنان المشهد السياسي في إيهام بأنه ليس في الإمكان أفضل مما كان وبأن التوافق هو الذي أنقذ الثورة في حين أن الثورة هي التي أنقذت الاسلاميين بأن أعادتهم من منافيهم الوثيرة إلى أرض الوطن.

اليوم يَتهم الاسلاميون الثورة والخطاب الثوري بأنهم فوضويون وثورجيون فوق العادة في خيانة غادرة لدماء الشهداء خاصة بعد أن عرّت الثروة التونسية تكالبهم على المناصب وعطشهم الصحراوي للكراسي والامتيازات.

الحكومة الجديدة ذرّ للرماد في العيون وهي أعجز من أن تواجه جبال الفساد وغابات النهب في تونس بل إنّها تحمل بين أعضائها عناصر من أكبر الفاسدين والمفسدين في نظام بن علي. الحكومة الجديدة تولد ميتة إلا ببعض الاكسجين الذي يمده بها جماعة النهضة في حين يتحكم في عجزها وفي تفعيل هذا العجز الطابور الخامس المبثوث في مراكز القرار على شواطئ الشمال الهادئة وفي الحواضر الراقية بعيدا عن ضوضاء العمق ومناطق الفقر والبطالة وفي معزل عن أنين  » أولاد الحفيانة  » من البؤساء.

محمد هنيد
البوابة التونسية للإعلام

تعليقات الفايسبوك

اترك تعليقا

Please enter your comment!
Please enter your name here